חיפוש

الفيلوكسينيا (حُسن الضيافة) والراهب إيرينرخوس من كفرناحوم: فرصة لردّ الجميل والتبرّع للترميم

עודכן ב: יול 2

كاتبة المقال: يسكا هارني

ترجمة: عزيز بنا


سوف يتطرق المقال لموضوعين: 1. حديث حول مصطلح "حُسن الضيافة" 2. الحادث الصعب الذي تعرّض له إيرينرخوس وكيف يمكننا المساعدة.




هل معنى "حُسن الضيافة"، الفيلوكسينيا philoxenia - φῐλοξενῐ́ᾱ -

في اليونانية، مطابق لفكرة محبّة الآخر الغريب؟




السؤال أعلاه يُذكّرنا جدًا بمغزى مثل السامريّ الصالح (لوقا 10)، حيث يساعد السامريّ شخصًا غريبًا غير معروف له. هل رحمتك الإنسانية خاصّة فقط لجماعتك، لمقرّبيك، لأبناء حمولتك التي تنتمي إليها؟



إن مثل السامريّ الصالح ليس أقدم نصّ يُعلّمنا أن مستوى الرحمة ليس نسبيًا وليس منوطًا بشيء.

لقد سبقته إلى ذلك القصة التوراتية عن إبراهيم عندما استقبل ثلاثة أغراب قدموا من مكان ما. هذه القصة هي المثال لحُسن الضيافة، المتعلّقة بالصداقة/ بالتقبّل/ بمحبة الآخر الغريب.

سوف نعود لإبراهيم لاحقًا.






الفيلوكسينيا من الجانب اللغويّ


بدايةً، دعونا نفحص مركّبات كلمة فيليكسونيا، والتي تعني حُسن الضيافة في اليونانية (لذلك إن كتبتم هذه الكلمة في جوجل ستحصلون على عشرات الفنادق...).

"فيلو" (φῐλο) في اليونانية تعني "صديق"، كما هو الحال في كلمة فيلسوف (صديق الحكمة)، أو فيلولوج (محب وباحث الكلمات)، ويمكننا أن نضع للكلمة تمديدًا، بمعنى أناس "مهووسون" بأمر ما. بيبليوفيليون هم الأشخاص المهووسون بالأدب، وعن نفسي أقول إنني "جاركو-فيلية" أي مهووسة بكل ما يتعلق باليونان. هناك أسماء لأشخاص تحوي كلمة "فيلو": "فيلومنوس" للرجل و"فيلومنة" للمرأة. محبو التاريخ يذكرون الباحث اليهودي من القرن الأول "فيلون الإسكندريّ"، المعروف باسمه العبري "يديدية الإسكندريّ".


كسانيا (ξενῐ́ᾱ) هي كلمة يونانية تعني – الغريب/الغرابة. إن الكلمة تُستعمل لوصف أمر جيّد أو سيّء، مثلاً عند الحديث عن "كسينوفوبيا" والتي تعني الخوف من الغرباء، مقابل אַכְסַנְיָה – وهو مكان لاستقبال كل شخص، فندق لاستضافة الغرباء. أنا أعرف عددًا لا بأس به من النساء اللواتي سُمّين "كسانيا"، خاصةً راهبات اخترن هذا الاسم الذي يعني "غريبة"- وذلك إيمانًا منهن أن رسالتهن الرهبانيّة هي ألاّ يتبعن هذا العالم. أن تكون غريبًا عن هذا العالم لكي تنتمي لعوالم الربّ السماويّة.


الفيلوكسينيا كقيمة مُثلى


إن مبدأ حُسن الضيافة موجود منذ بداية الحضارة اليونانية، ويتجسّد بشخص رئيس الآلهة زيوس، بلقب "زيوس كسنيوس" - Zeus Xenios.

يروي الكاتب أوبيديوس كيف نزل زيوس وهرمس إلى الأرض وتنكّروا بثياب عابري سبيل غرباء (يُذكّرنا ذلك بما وُصف في العهد الجديد: "تمثّل الآلهة بشرا ونزلوا إلينا" أعمال الرسل 14: 11)، وداروا يبحثون من سوف يستضيفهم. رفضهم أهل المنطقة واستقبلهما رجل فقير وامرأته يُدعيان باوكيس وفيلمون (Baucis، Philemon) وأطعماهما حتى شبعا، وملأ كؤوسهما خمرًا مرة تلو الأخرى. بعد أن اكتشفوا أن كأس الخمر الذي يُملأ مرة تلو الأخرى لا يفرغ، فهم الرجل وزوجته أن ضيفاهما آلهة، وطلبا من ضيفيهما أن يذبحا لهما الوزّة الوحيدة المتبقيّة لديهم. تأثّر الإلهين وكافئاهما بأن حوّلا بيتهما قصرًا. زيوس حقّق حلمهما بأن يكونا حرّاس المعبد إلى الأبد (عند موتهم تحوّلا إلى شجرتين أمام مدخل المعبد وبقيا يحرسانه إلى الأبد).

يعقوب فان أوست (القرن ال 17)، هرمس وزيوس في بيت باوكيس وفيلمون


تكملة القصّة الأسطوريّة تُذكّرنا بالقصة التوراتية بشكل كبير ممّا يثير الشك:

لقد أُبيد جميع سكان تلك المنطقة ما عدا الزوجين الكريمين اللذين أُنقذا وهما ينظران إلى الخلف ويريان بيتهما يُهدم ويُبنى مكانه قصر. هل يُذكّركم ذلك بالطوفان؟ هل يُذكّركم بدمار سدوم؟ طبعًا.



حُسن الضيافة في الكتب المقدّسة

إن الكتب المقدّسة تمدح حُسن الضيافة وتُشجّع الناس على تبنّيها، لكنني لا أستهوي جميع القصص، فعلى سبيل المثال لا أحب أختي التوراتيّة (يسكا في التوراة هي أخت لوط)، وذلك لأسباب عدّة. إليكم المشهد المروّع لحُسن ضيافة لوط في الإصحاح 19 من سفر التكوين:

"(1) فجاء الملاكان إلى سدوم مساء، وكان لوط جالسًا عند باب سدوم. فلما رآهما لوط، قام للقائهما وسجد بوجهه إلى الأرض، (2) وقال: "سيّدي، ميّلا إلى بيت عبدكما وبيتا واغسلا أرجلكما، ثم تبكّران وتمضيان في سبيلكما". فقالا: "لا، بل في الساحة نبيت". (3) فألحّ عليهما كثيرًا، فمالا إليه ودخلا منزله. فصنع لهما مأدبة وخبزًا فطيرًا، فأكلا".

في الآيات التالية من القصة، يتبيّن شرّ أهل سدوم العظيم، حيث يطلبون من لوط أن يُخرج ضيفيه إليهم كي يتحرّشوا بهما. إن وصيّة حُسن الضيافة تتجسّد عند لوط بدفاعه عن ضيفيه وذلك بتقديمه ابنتيه للجموع البربريّة بدل الضيفين:

"(8) ها أنا ذا لي ابنتان ما عرفتا رجلا: أخرجهما إليكم، فاصنعوا بهما ما حسن في أعينكم. وأما هذان الرجلان، فلا تفعلوا بهما شيئا، لأنهما دخلا تحت ظل سقفي".

أراني أهرب مسرعة من هذه القصّة المروّعة، بل وأتجنّب قراءة التفسيرات التي تحاول جاهدةً أن تمدح هذا المشهد التعيس. لكنني سأنتقل بسعادة إلى النموذج الأفضل لحُسن الضيافة في الديانات السماويّة: قصة حُسن ضيافة إبراهيم عند بلّوط ممرا، قصّة معروفة في الديانات السماوية الثلاث:

"(1) وظهر له الربّ عند بلّوط ممرا وهو جالس في باب الخيمة وقت حرّ النهار، (2) فرفع عينيه ونظر واذا ثلاثة رجال واقفون لديه. فلما نظر ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد الى الارض، (3) وقال: «يا سيّد، ان كنتُ قد وجدتُ نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك. (4) ليُؤخذ قليل ماء واغسلوا ارجلكم واتكئوا تحت الشجرة، (5) فآخذ كسرة خبز، فتسندون قلوبكم ثم تجتازون، لأنكم قد مررتم على عبدكم». فقالوا: «هكذا تفعل كما تكلمت». (6) فأسرع ابراهيم الى الخيمة الى سارة، وقال: «اسرعي بثلاث كيلات دقيقا سميدًا. اعجني واصنعي خبز ملّة». (7) ثم ركض ابراهيم إلى البقر وأخذ عجلاً رخصًا وجيدًا وأعطاه للغلام فأسرع ليعمله. (8) ثم اخذ زبدًا ولبنًا، والعجل الذي عمله، ووضعها قدّامهم. وإذ كان هو واقفًا لديهم تحت الشجرة أكلوا".


صور الرسومات في المقال من تصوير يوسي روبننكو مشكورًا. هل ما زال شيء لم يُكتب عن هذه القصة؟ يبدو أن حُبّ قرّاء هذه القصة للقصة أكثر من حُبّ إبراهيم لضيوفه... لقد ناقشوا القصّة، وفسّروها، ورسموها- بلا نهاية. إن صدى حُسن الضيافة هذا موجود في الوصايا للمؤمن في رسائل العهد الجديد: "لا تنسوا استضافة الغرباء، لأن بها استضاف أناس ملائكة وهم لا يدرون". (الرسالة إلى العبرانيين 13: 2)

في رسالته إلى أهل رومية (12: 10،13) يكتب بولس الرسول: "وادّين بعضكم بعضًا بالمحبة الأخوية ... عاكفين على استضافة الغرباء."

من هم ضيوف إبراهيم؟

إن أدب حاخامات اليهود يتطرّق لهويّة الضيوف: بشر؟ ملائكة؟ الله؟! عدم وضوح النص التوراتيّ يرمز إلى وجود إمكانية أن أحد "الأشخاص" كان معروفًا لإبراهيم، وذلك لأنه دعاه "سيّد": "(2) فرفع عينيه ونظر وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه. فلما نظر ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد الى الارض، (3) وقال: «يا سيد، ان كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك". (سفر التكوين 18: 2-3) هل هذا السيّد "سيّدًا" عاديًا، بلغة الاحترام، أم سيّد بمعنى الربّ؟ إذا كان الربّ بذاته، إذًا كيف نُفسّر الآية التي يتحدث فيها إبراهيم مع الربّ عندما ذهب الضيفان الآخران إلى سدوم:

"وانصرف الرجال من هناك وذهبوا نحو سدوم، وأما ابراهيم فكان لم يزل قائما امام الرب". (سفر التكوين 18: 22) لقد ترك الضيفان ثالثهما – أي الربّ.. الذي كان غارقًا في حديث مع إبراهيم.

لاحقًا، سوف يستبدل النص التوراتيّ مصطلح "الرجال" ب "الملائكة": "فجاء الملاكان إلى سدوم مساء" (سفر التكوين 19: 1)

- هكذا تثبّت مفهوم أن الشخصيات الثلاث التي زارت إبراهيم، كانوا ملاكين والربّ. إن رواية الملاكين موجودة أيضًا في كتابات يوسيفوس فلافيوس، في تفسيرات التوراة (مدراش)، وفي كتابات الحكماء الربّانيين: "... ورأى الرب والملائكة - الراب شمعون بن لقيش ذكر أيضًا أسماء الملائكة ميخائيل جبرائيل ورافائيل" (مدراش سفر التكوين 203- 48)

إن فكرة كون الأشخاص ملائكة انتقلت إلى الكتابات المسيحية وإلى القرآن. ففي الآيات 69-74 من سورة هود (سورة 11)، يتحدث القرآن عن ضيوف إبراهيم على أنهم ملائكة، خاصةً لامتناعهم عن الطعام:

"وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ. فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً". إن القرآن، كعادته، يختصر الأمور، لكن القصّة التوراتية تظهر واضحة في خلفية ما كُتب.

التفسير المسيحي للضيوف الثلاثة

إن الكنيسة طوّرت تفسيرات القصّة كثيرًا، وهناك جدالات، نقاشات، واقتراحات كثيرة جدًا في ما كتبه آباء الكنيسة.


إن التفسير المسيحي الأقدم لمسألة تحديد هويّة الضيوف الثلاثة يعود للقديس يوستينوس الشهيد، الذي عاش في القرن الثاني للميلاد، (لقد تحدّثت عنه في مقال سابق عن القديسين الذين يظهرون في فسيفساء التطويبات) كما يظهر

في كتابه "الدفاعات والحوارات مع تريفون":








(يوستينوس) سألت تريفون: هل تعتقد أن الله ظهر لإبراهيم عند بلّوط ممرا، كما قال اللوغوس؟ فأجاب تريفون – بالتأكيد. (يوستينوس) وأنه كما قلتُ، كان أحد الثلاثة، حيث ظهر الروح القدس لإبراهيم على شكل بشر؟ فأجاب تريفون – لا، بل إن الله ظهر له قبل ظهور الثلاثة. بعد ذلك غادر اثنين من الثلاثة، الذي سمّاهم اللوغوس رجالاً، لإبادة سدوم، وثالثهم غادر بعد أن بشّر سارة أنها ستحبل وتلد ابنًا. يلخّص تريفون: "لقد أثبتَّ لنا أننا فهمنا بشكل خاطئ (في تفسيرنا) أن الأشخاص الثلاثة الذين تواجدوا في خيمة إبراهيم كانوا ملائكة" (القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد، الدفاعات والحوارات مع تريفون)

لقد تعلّمنا من الحوار: أن اليهودي يؤمن بأن الله قد ظهر لإبراهيم، ولكن لا يُمكن التعرّف عليه بشكل خاصّ مع إحدى الشخصيات الثلاث. أما يوستينوس فيقول (عند قراءة الحوار بكامله) أن الشخص الثالث، المدعو "سيّد"، هو يسوع.

لقد حذا حذو يوستينوس العديد من اللاهوتيين، لكن التفسير أن الأشخاص الثلاثة هم ظهور الثالوث الأقدس: يسوع مع الآب والروح القدس كُتب للمرة الأولى فقط ما بين القرن ال 5 حتى ال 7.

إن النقاش المسيحي استمرّ وتطوّر عبر مئات السنين. أحد الأمثلة الرائعة والذي يعكس كثافة النقاش والتأثيرات المتبادلة بين اليهود والمسيحيين حول تفسير التوراة هو ما كتبه بروكوفيوس من غزة، والذي عاش في القرن السادس:

"هناك من يدّعي أن الأشخاص الثلاثة كانوا ثلاثة ملائكة، المتهوّدون (ιουδαϊζοντες) (جماعة مسيحية أصرّت على اتّباع شريعة موسى اليهودية) من بينهم يدّعون أن أحدهم كان الله والاثنين الآخرين كانوا ملائكة. وهناك آخرون يدّعون أن (الأشخاص) الذين يُدعون "سيّد" بلغة المفرد، هم رمز (τυπον) للثالوث الأقدس".

من ضمن الأبحاث التي عملت على المقارنة بين التفسيرات اليهودية والمسيحية بما يتعلّق بمسألة تحديد هويّة ضيوف إبراهيم، أوصي بقراءة مقال- Abraham’s Angels: Jewish and Christian Exegesis of Genesis 18-19 الموجود في: The Exegetical Encounter between Jews and Christians in Late Antiquity 2009 من دار النشر بريل

وما زال النقاش مستمرًا...

كتاب: "من تناول الغذاء مع إبراهيم؟" (מי אכל צהרים עם אברהם?)، الذي صدر بالعبرية قبل بضع سنوات (آشر

إنترتر، 2015) بهدف توضيح إيمان اليهود المسيحيين، يقول أن إبراهيم تناول الطعام مع يسوع. أقتبس ما جاء في الكتاب لتلخيص مسألة هويّة ضيوف إبراهيم (صفحة 17): "أنا وأنت مدعوّون لعهد إبراهيم، الذي قطعه الرب ذاته – شخص كان يعرفه إبراهيم".




استضافة الله في الفن المسيحي

حُسن ضيافة إبراهيم كان موضوعًا شائعًا بين الرسّامين. اللوحة الأشهر، كما يبدو، هي لوحة أندري روبليف Andrei Rublev من القرن ال 15، حيث أصبح مثالاً يُحتذى به عند أجيالٍ كثيرة من الرسّامين: الملائكة الثلاثة مُتّحدون بجوانحهم حول مائدة تظهر أشبه بالمذبح، وعليها كأس الخمر التي توضع في الذبيحة الإلهية. لقد نُسخت هذه اللوحة آلاف المرات. ستجدون في معظم الكنائس الأرثوذكسية نموذجًا لهذه اللوحة، وذلك لأن تفسير المشهد يظهر فيها: الضيوف هم الآب والابن والروح القدس في كيان واحد. غالبًا ما يُكتب على الأيقونة، فوق رؤوس الملائكة: "الثالوث الأقدس.


إن المسيحية ترى في هذه القصة الفرصة الأولى في تاريخ البشرية لرؤية الله وذلك بفضل المبدأ الإنسانيّ لحُسن الضيافة. إن لم تكن شخصًا ذي قيم، ذي رحمة وذي عطاء- لن تحظى باستضافة الله. وفي صيغتها المسيحية- لن تحظى باستضافة الثالوث الأقدس، الآب والابن والروح القدس. في عالم الرهبنة، أُتيح للراهب أن يختار وأن يقود كما إبراهيم. الدير، كخيمة إبراهيم، فتح أبوابه لعابري السبيل للراحة والطعام. الفيلكسونيا أصبحت كلمة مرادفة لحُسن الضيافة في الأديرة المختلفة.

إيرينرخوس وحُسن الضيافة في كفرناحوم قلّة هي الكنائس التي حظيت بلون قبّة زهري، فكم بالحري إن كانت الخلفيّة زرقة بحيرة طبريا... هي كنيسة واحدة فقط، الكنيسة الأرثوذكسية في كفرناحوم، والتي سُمّيت كنيسة الرُسل. سوف تجدون صورها في جميع الألبومات التي خُصّصت لإظهار طبيعة بلادنا وجمالها، ليس الخارجيّ فقط...


* صور الطبيعة والكنيسة في هذا المقال صوّرها يوسي روبننكو مشكورًا.


إن مساحة ثلاثين دونمًا قد اشترتها الكنيسة الأرثوذكسية، بعد عدة سنوات من شراء الآباء الفرنسيسكان خربة بيت بطرس وكنيس كفرناحوم القديم.

* الصور الأرشيفية (آنا ريبكين) من موشيه حننئيل مشكورًا

لقد قام الآباء الفرنسيسكان بحفريات أثرية وأقاموا ديرًا، أما الكنيسة الأرثوذكسية فقد بنت ديرًا ثم قاموا بالحفريات الأثرية... إذا أعدنا صياغة المثل القائل: "غيرة الكتّاب تزيد من الحكمة" يمكننا القول: "غيرة الطوائف تزيد من الكنائس"... في نهاية الأمر لقد عاد الأمر بالفائدة على الجميع: هناك كنيستان في كفرناحوم يمكن زيارتهما، هناك حديقتان رائعتان، هناك آثار تعكس تاريخ مئات السنين، وهناك تقاليد رائعة للعالم المسيحيّ. هذه المرة سوف نتحدّث عن كفرناحوم الأرثوذكسية، وهناك أسباب كافية تدعو لذلك إضافة لأحداث مريرة حدثت سوف نتحدّث عنها لاحقًا. لقد بنى بطريرك القدس بين السنوات 1897- 1931، دميانوس الأول، في كفرناحوم كنيسة وعزبة لأيام الشتاء.


في كانون أول من عام 1991 وصل إلى المكان راهب من مقدونيا اليونانية، الذي اختار أن يخدم ويكرّس حياته لرهبنة القبر المقدس في القدس كما بحيرة طبريا. اسمه إيرينرخوس.


إن معنى اسمه باليونانية- "حاكم السلام". إيريني (ειρηνη)= سلام، أرخوس (αρχος)= حاكم.

وإنه حقًا رجل سلام، إضافة لتواضعه الكبير:

طوال سنوات خدمته في بطريركية القدس، لم يطلب أن يكون كاهنًا أو أن يعلو بسلّم الدرجات. سوف تجدون اسمه في آخر لائحة المنتمين إلى الرهبنة.



مرّ الوقت، وفي كانون أول من عام 2021 سوف يحتفل 30 عامًا على دوره رئيسًا لدير كفرناحوم. ويجب لهذا الاحتفال أن يكون احتفالاً كبيرًا: لقد بنى بيديه جنة عدن. لم يبن الله الجنة للإنسان، بل بنى الإنسان جنة لله.

إن العين لا تشبع: أشجار زينة، أشجار فاكهة، كروم عنب، وأماكن جلوس.



وفي مركز كل هذا- كنيسة تعرض الأيقونات البيزنطية بأبهى صورها.



إن الراهب إيرينرخوس يستقبل الضيوف منذ عام 1991- بابتسامة، بطيبة، وبحرارة. لا يجبي رسوم دخول، ولا يفضّل أو يرفض أحدًا بناء على دينه. كما إبراهيم، فهو يستقبل الغرباء القادمين إليه من كل مكان.

بالفعل فإن حُسن ضيافة إيرنرخوس معروفة للجميع:

كثيرون يزورون الحديقة، يدخلون إلى الكنيسة، يتمشّون على طول الشاطئ الجميل. هل هناك مكان آخر يستقبل الناس مجانًا؟

أعتقد أن كل من زار المكان يعلم أنه حظي بالتمتّع بجنة عدن دون أن يبذل مجهودًا ببنائها.

وها قد حان الوقت لنردّ له الجميل- لنردّ جميل حُسن الضيافة طوال 30 عامًا.


الحادث

في بداية فترة الكورونا، خرج إيرينرخوس، كعادته في كل عام، لمساعدة صديقه، رئيس دير كنيسة التجلّي في جبل الطور. وخلال تواجده على السقالات للترميمات، انهار قسم من السقالات ووقع إيرينرخوس على إحدى خشبات السقالة ومن ثم وقع على رأسه أرضًا. في لحظات وعيه الأخيرة، حظي بأن يرى كيف تخرج الروح من الجسد، وقد نظر إلى نفسه "من خارج جسمه". زميل لي، كان برفقتي حين روى إيرينرخوس ما حدث، يذكر ما قال: "عند سقوطي إلى موتي من ارتفاع 4 أمتار، رأيت جثتي مرميّة على الأرض، وروحي ترتفع إلى السماء، قابلت هناك الملائكة حيث قالوا لي: إيرينرخوس العزيز، لقد سكنت طوال حياتك في الجنة التي بنيتها بيديك، مبارك ما صنعت يداك أما مكانك الآن فليس معنا. عُد إلى الجنة الأرضية وأكمل عملك. وبالفعل فقد امتلأ جسمي بروحي وعُدت إلى شواطئ طبريا التي أحب" لم يكن هناك وقت كافٍ للتفكير وللرؤيا هذه. فقد حضر الإسعاف ونقله بسرعة إلى المستشفى في الناصرة، من ثم نُقل إلى مستشفى رمبام- لأنه المستشفى الوحيد في المنطقة الذي بإمكانه علاج مثل هذه الإصابة البالغة. لقد رقد الراهب ثلاثة أسابيع في المستشفى للعلاج، من ثم طلب منه الأطباء أن يبقى في مستشفى لإعادة التأهيل، لكنه فضّل أن يعود ليتأهّل في بيته، في ديره في كفرناحوم. أبوه العجوز سوف يهتمّ به. ثم أتت الضربة القاضية عند عودته: فقد تمت سرقة الدير خلال فترة علاجه، وكُسر زجاج الكنيسة، ودخلوها ونهبوا كل غالٍ ونفيس. حتى أنهم سرقوا وعاء القربان المقدّس! لقد قابلت إيرينرخوس خلال فترة إعادة التأهيل، يمشي بطيئًا، يعاني من العديد من الأوجاع نتيجة إصابة الرأس.




في 12.7، سوف يحلّ عيد كنيسة كفرناحوم: عيد الرُسل.

سوف أستغلّ هذه الفرصة لردّ الجميل باسمنا جميعًأ على 30 عامًا من حُسن الضيافة بروح أبينا إبراهيم.


سنقوم، نحن المرشدون الذين نقدّر عمله وجميع من يزور المكان ويتمتّع به، بتقديم تبرّع له، بمناسبة عيد كنيسته. سوف نرفق معه صورة إبراهيم يستضيف الملائكة... وشكرًا جماعيًا باسم كل الأشخاص الذين حضروا من بعيد ومن قريب، واستقبلهم هو في كفرناحوم، ودعاهم للجلوس في بيته، والآن هم يردّون الجميل.